*"السرّ في الصلاة أنها لا تغير العالم. الصلاة تغيرنا نحن.. ونحن نغير العالم."
.. كنتُ شابا صغيرا، وكانت التياراتُ تلاحقنا في كل مكان، في كل كتاب، في كل نقاش، كانت أيام الثانوية أصعب أيام، وهي أيام الشك والحيرة، والضياع والزوغان بين مدارس الفكر الوضعي، وأخذتني المدارس واستلهمت كبار مفكري العالم، فانقطعت مدة طويلة متبتلا بالفكر الألماني، ومع أني أقرأ من صغري بالإنجليزية، إلا أن تراجم الإنجليز لجوته، وتشيلر، وكانت، ونيتشه، وريلكه، أخذت بلبي، ثم تعرفت على شبنهاور فصقل فكر نيتشه في رأسي عن عنفوان القوة، وعدل البأس والجبروت، وكأنه دين يُبَشـّر به، أخذني نيتشه إلى مسوغاته، ومبرراته الصعبة التي كانت بمشقة تسلق جبال بافاريا، وكانت القمة هي ما أسماه مصطلحا "بالإرادة العلـّية"، ثم قذفني إلى شواطئ برتراند الرسل المتصوف المادي الرياضي، وهـُمْتُ بعد ذاك بمدارس الفابية مع برناردشو في شقـِّهِ الجاد، وتبتلتُ مع إنجلز.. وأخذ الفكرُ يجرفني تماما وبعيدا عن الروح المتصلة بالسماء، حيث اليقين كل شيء، حيث الإيمان هو الشمس التي تسطع من بعيد، ولكنها أقرب لك من أي عنصر في الكون، لأنها طاقة الوجود، فضعت كثيرا، وتجبرت بما سفحت من معلومات وكتب وظننت أني في تلك السن الباكرة قد جمعتُ سحرَ العلوم، وكأني خيميائي المعرفة.. ولم أعد أقرأ الكتبَ التي كنت أتوسدها في السابق حتى يغالبني النوم من أمهات الثقافة الدينية في التفسير والفقه الحديث، والأدب العربي.. ونفضتُ عني ما حسبت وقتها أنه عالمٌ عتيقٌ مليءٌ بغبار الغابر من التاريخ المعتم، إلى معارف تُشرق فيها أنوارُ العقل الإنساني متوهجا سواء في التاريخ أو المعاصر.
.. ثم تركتُ الصلاة.
وكان مدرسي, يرحمه الله, في اللغة العربية رجل من غزة متدين، وقويم الفكر، ويؤثرني لميلي إلى الاطلاع، ولظهوري في اللغة، ثم توطدتْ بيننا صداقةٌ غير صفيّة، حتى انتزعتني أفكار الوجودية، والتي كانت أول مزالقي نحو كل الفلسفات، وصار يقف ضد هذا التوجه ويحذرني كثيرا، ويقول لي لستَ في سنٍّ تحكم فيها على العالم، ولا على معارف أمتك ولا أمم الآخرين.. ارجع إلى منبعك وانهل منه، وتقو، ثم رِدْ من كل منهل، وستجد أنك ستتذوقه وتعرف مكوناته، ولكن لن تدخله جوفك لأن ذائقتك المعرفية المتينة من بنيان تشربك المعرفي لدينك وثقافتك ستمنعك من ذاك.. ولكني تماديت، وشعرت أنّ موجة مشرقة أخذتني منه بعيدا تاركا له كل بحار الظلام..
وأنا في طريقي المادي الجديد، بدأت في سن السابعة عشرة أكتب لمجلة "الجمهور" اللبنانية، وكانوا يحسبوني شخصا كبيرا في بلادي ويخاطبوني كما يخاطبون الكبار، وتـُرسل لي تحويلات النقد، ثم صرتُ أكتب في مجلةٍ إنجليزيةٍ تصدر من البحرين، ودار اسمي تحت اسم المفكر المتحرر. وكانت كتاباتي تنضح عما في داخلي من معلومات وكتبٍ سفحتها سنوات لا أرفع رأسي من متن كتابٍ إلا إلى آخر، فأغوتني علوم الفلك والإنسان، والحفريات التاريخية، والطب، والجغرافيا.. وكنت أقرأ لعلماء أتأكد من كونهم غير روحانيين.. حتى لا يشوشوا علي بأفكار لا تثبت بالاستدلال المادي.. وانفتحت أمامي المجلاتُ والصحف، وصرت أكتب وأنا في الثانوية بغزارةٍ لمجلات وجرائد في لبنان, الكويت، إيران، البحرين، وأمريكا.. وانفتنتُ بنفسي.. وأرى أستاذي، وأكاد أطل عليه بمكابرةٍ من علٍ.
"لماذا لم تعد تصلي؟" سألني أستاذي بحدة عميقة، فأجبته: "وهل تغير الصلاةُ العالم؟" فأجابني إجابة طيرت عقلي، وخلخلت أركانَ نفسي التي ظننت أنها مكينة.. "نعم الصلاة لا تغير العالم، ولكنها تغيرنا فنغير نحن العالم".. ولكني صارعت أثر الجملة المريعة.. ومضيت في غيِّي.
مرت سنوات، عدت للمنزل.. وكان بيتنا لا مهادنة فيه بالنسبة للصلاة وفي المسجد، كان أبي يجعل من خروجه للمسجد طقسا ضوئيا، ووالدتي توقظنا للصلاة قبل أن يصدح الأذان.. جرْجرتُ نفسي وعدتُ للصلاة، ولكن مكابرتي كانت في الداخل. ..
..ويوماً مرضتُ.. وقال لي الطبيب:" آسف يا نجيب، ستموت لا محالة بعد تسعة أشهر"..
كنت في مدينة تاكوما الساحلية بأمريكا، ورحتُ وحيدا إلى تلة خضراء، ورأيت المحيط الجبّارَ شاسعا أمامي.. ولا شيء إلا أنا والسماء والماء.. والموت، والحياة. وسألت نفسي هل أغيرُ شيئا؟". ورحت متأملا، والدموع تنفر فتغطي شساعة المحيط بسرابيةٍ مهيبةٍ مبهمة.. وفجأة، قفزت تلك العبارة إلى رأسي: " الصلاة تغيرنا، ونحن نغير العالم".. وبسرعة ذهبت إلى حيث أقيم وأبرقت لأستاذي تلك الجملة بلا مقدمات ولا خواتيم.. وردّ علي. " لقد استردك الله.. عش مطمئنا."
أعظم صلاة أخذت بمجامعي كانت على ساحل الأطلسي في تاكوما الأمريكية.. وعرفت أن الله حق.. وعرفت ما معنى الحق.. وأن معناه النهائي في السماء لا في الأرض..
ولم أمُتْ.. حتى الآن.
نجيب الزامل
Najeeb@sahar.com
أرشيف المدونة الإلكترونية
روابط ووصلات
مقالات قديمة 2
- للمزيد طالع إرشيف المدونة
- عودة دور المجوس لفضيلة الشيخ عبد الله العبيلان
- لا غرابة أن يطعن شكسبير في نبينا والإسلام والمسلمين لكن الغريب أن يروج له مسلم
- الكاتب داود الشريان يقول أشهد أننا لا نستحي !!!
- عندما يكون البشت في المقدمة والعلم والفكروالأدب في المؤخرة بقلم علي الشمالي
- مختصر من كلام الشيخ سليمان بن صالح الخراشي ثقافة التلبيس : الوسطْ .. الغلطْ
- من الأولى بالمحاسبة والمحاكمة في كارثة جدة بقلم علي الموسى
- يقطع جدة أربعة أودية لا تسكن فيها قبل أن يقام مشروع لتصريف السيول هذه الأودية هي ....
مقالات قديمة 1
- 1430 10 رئيس الأركان الأمريكي الأدميرال مايك مولن يقدم نصيحة للولايات المتحدة الأمريكية لم تقولون ما لا تفعلون !!
- 1430 10 مقال هل فقدت الحضارة أخلاقياتها؟ بقلم الأستاذ محمد صلاح الدين
- 1430 10 شركات أدوية أمريكية أقرّت بانتهاك قانون الأدوية والأغذية وتدفع للحكومة الفيدرالية 12 مليار دولار تسويات 23 سبتمبر 2009
- 30/05/2009 صحيفة الشعب :: ضباط أمريكيون يصفون ارتفاع عدد حالات الانتحار بين الجنود الأمريكيين بالمرعب !!
- تعريف بمحاضرة " الهزيمة النفسية عند المسلمين " للدكتور عبد الله الخاطر رحمه الله
- التاريخ يعيد نفسه بقلم الدكتورة نورة السعد حفظها الله
- العناية بقدم مريض السكر تقلل احتمالات بترها بقلم الدكتور حسن الزهراني استشاري جراحة الأوعية الدموية
- تعقيب حاتم الفرائضي على مقال ::: دورات البرمجة العصبية أولها سحر ووثنية وآخرها عبادة للشيطان بقلم أبو راشد
- رد على محمد بن حامد الأحمري ::: لا.. لأوثان البشر، ولا..لأوثان أفكارهم بقلم الشيخ بندر بن عبدالله الشويقي
- المتاجرة بالأعناق .. نظرة من المفجوعين بقلم الدكتور سعود المصيبيح
- بيريز إذ يخاطب خادم الحرمين بقلم الدكتور عبدالعزيز بن فوزان الفوزان المشرف العام على مؤسسة رسالة الإسلام
- تعريف بكتيب الأدب العربي في ظل القومية العربية لمؤلفه الدكتور محمد محمد حسين رحمه الله بقلم عبد الرحمن محمد الأنصاري
- أخوة الإيمان أم أخوة الــ NLP ؟ بقلم فضيلة الشيخ الدكتور خالد الغيث حفظه الله
- كيف تنزل نفسك منزلتها بقلم الأخ خالد المنصوري
- كتب الدكتور خالد الغيث تحت عنوان التاريخ زعلان وشرهان على الشيخ سلمان !
- لا أدري الإسلامية سبقت لا أعرف الغربية بقلم الدكتور حسام الدين عفانه من جامعة القدس
- تعقيب الشيخ الدكتور فهد بن سليمان الفهيد حفظه الله على الكاتب محمد بن عبداللطيف آل الشيخ
- بقية المقالات هنا في ::::: خزينة المقالات
- المتاجرة بالأعناق .. نظرة من المفجوعين بقلم الدكتور سعود المصيبيح
- المتاجرة بالأعناق .. نظرة من المفجوعين بقلم الدكتور سعود المصيبيح
14 يوليو, 2011
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
0 التعليقات:
إرسال تعليق